السيد كمال الحيدري

354

شرح كتاب المنطق

الجسم الأحمر ، فهو غير أبيض وغير أسود ، ولكنهما لا يرتفعان عن الجسم ، فلو ارتفع غير أبيض عن جسم لصدق نقيضه عليه ، وذلك لاستحالة ارتفاع النقيض : غير أبيض ، أبيض ، وكذلك لو ارتفع غير أسود لصدق أسود ، وبالتالي فإنّ ارتفاع « غير أبيض » و « غير أسود » عن جسم ، يلزم منه اجتماع السواد والبياض فيه ، وهو محال . [ فإنّ غير الأبيض وغير الأسود يجتمعان في الأحمر ] لأنّه ليس بأبيض ولا أسود [ ولا يرتفعان في الجسم الواحد ، بأن لا يكون غير أبيض وغير أسود ، بل يكون أبيض وأسود ، وهذا محال ] لأنّه اجتماع للضدّين . [ وتستعمل مانعة الجمع في جواب من يتوهَّم إمكان الاجتماع بين شيئين ] فيُبَيَّن له أنّهما لا يمكن أن يجتمعا بغضّ النظر عن ارتفاعهما وعدمه ، إذ ليس النظر إلى ذلك بل إلى عدم الاجتماع فقط [ كمن يتوهَّم أنّ الإمام يجوز أن يكون عاصياً لله ] . الظاهر من إطلاق المصنّف ( قدّس سرّه ) أنّه ليس المراد مطلق الإمام ، فإنّ بعض الأئمّة لا وظيفة لهم اتّخذوها سوى عصيان الله تعالى ، مثل أئمّة الجور الذين يدعون إلى النار ، كما قال تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ « 1 » « 2 » بل المراد من الإمام مَن ثبتت

--> ( 1 ) القصص : 41 . ( 2 ) وهنا نكتة نشير إليها ، وهي ورد في الكثير من الروايات اسم الإمام واختلفوا في المراد منه ، فذهب جملة من الفقهاء إلى أن المراد به الإمام الأصل الذي ثبتت عصمته . ويترتّب على هذا أنّ بعض العبادات والأحكام التي يشترط فيها وجوده ( عليه السلام ) عُطّلت أو حُمِلتْ على الاستحباب ، مثل صلاة الجمعة ، وإقامة الحدود ، لأنّه ورد في الروايات ، لا جمعة إلا بإمام . ولا يقيم الحدّ إلا إمام . ففي عصر الغيبة يكون تشريعها حراماً ، والرأي في هذه المسائل ليس من القدماء فقط ، بل ذهب إليه بعض العلماء والمحققين المعاصرين ، وجميعهم فسّروه بإمام الأصل من باب أنّه ( عليه السلام ) غائب فلا تقام الحدود ، ولذا نجدهم - رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين - لم يكتبوا في رسائلهم العملية باب الحدود والديات ، ولو من أجل تثقيف الناس وبيان أنّ هذه هي أحكام الله تعالى . ثم إنّ فرض عدم التمكّن من إقامتها ، لا يعني أنّها لم توجد في الرسائل العملية على نحو الإطلاق ، بل ذكرها المتقدّمون كالمحقق ( رحمه الله ) في الشرائع ومن تأخّر عنه ، وكذلك ذكرها بعض المتأخّرين جزاهم الله خيراً . والأقوال في المسألة متعدّدة حتى أنّك لتجد في مسألة واحدة أقوالًا متعدّدة وآراء متضاربة ، نحو اختلافهم في وجوب دفع الخمس إلى غير الإمام ( عليه السلام ) فقد تعدّدت فيه الأقوال إلى أكثر من ثلاثة عشر قولًا ، أحدها : أن يرمى به في البحر إلى أن يظهر الحجة المنتظر ( عجّل الله فرجه الشريف ) فيستلمها ، ولا ندري ماذا يفعل بها ؟ ! وغاب عنهم أنّ الأرض تخرج له جميع كنوزها ، ونحو اختلافهم في إقامة الحكم الإسلامي بحجة أنّه لا يقيمه إلا الإمام الأصل ( عليه السلام ) إلى غير ذلك من المسائل التي سبّبت مشكلة في الفقه الإسلامي . وجميع ذلك مبني على اختلافهم بالمراد من كلمة الإمام هل هو المعصوم أو الأعم منه ومن نائبه الخاص والعام أو من نصّبه أو وكيله وما يشمل أئمة الجور ؟ والظاهر من كلام المصنّف أنّ المراد هو الإمام الأصل كما ذكرنا ، لهذا قال : كمن يتوهّم أنّ الإمام يجوز أن يكون عاصياً لله ، لأنّ المتبادر من لفظ الإمام عند إطلاقه هو الإمام الأصل . والحقّ بحسب اللغة والاستعمال أنّ المراد به في الروايات المعنى الأعمّ إلا مع وجود قرينة تصرفه إلى الإمام الأصل أو تصرفه إلى نائبه الخاص . ( منه حفظه الله ) .